يوسف المرعشلي
1518
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عن مصادري فذكرتها له فازداد إعجابا ، واستضافني بمنزله مرات عديدة ، وفي إحدى الزيارات أطلعني على كتابه المخطوط في تاريخ تونس « تونس في مواكب الحضارات والعصور » في جزئين ضخمين وطلب مني إبداء ملاحظاتي ، فقرأت كثيرا من فصول الكتاب وأبديت له ملاحظات حول الإسماعيلية مذهب العبيديين ، فناقشني وأتاني بجزء من تاريخ ابن خلدون ومقدمته وبيّنت له عدم صحة استنباطه ، وطلب مني تحريرا وجيزا في الموضوع عن أسس المذهب الإسماعيلي وأساليبه الدعائية مدعما بالمصادر ، ففعلت وأحلت على المصادر من كتب الفرق والتاريخ ، وعلى ضوئه حوّر الفصل المتعلق بالعبيدين ، كما أبديت له ملاحظات حول العصر الحفصي ، وأن البحث يتطلب الاطلاع على إنتاج ذلك العصر حتى كتب الفتاوى وكتب شرح الحديث وكتب الفقه وكتب الرحلات ، وأعلمته بأني جردت ما يتعلق بالتاريخ التونسي من شرح الأبي على مسلم « إكمال إكمال المعلم » وهو في سبع مجلدات ، وأن لدي مختصرا من رحلة العبدري علقته في أخريات عهد الطلب ، وحرصت فيه على نقل كل ما يتعلق بالتونسيين والنازليين بتونس من الأندلسيين فتلهّف للاطلاع عليهما فأعرتهما له ، وقد أعاد تحرير العصر الحفصي على ضوء ما أمددته به . وفي كتابه « تاريخ المغرب العربي الكبير في سبعة قرون بين الازدهار والذبول » المطبوع إحالات كثيرة على كتاب « إكمال إكمال المعلم » ، وطلب مني إمداده بما لدي من كتب تاريخية حديثة لها صلة بتاريخ تونس فلبيت طلبه ، وكنت استصحب الكتب معي من صفاقس إلى القلعة الصغرى ، ويرجعها إلي بعد قضاء حاجته منها بحالة غير جيدة ، ولم تنقطع صلة الزيارة والمراسلة بعد نقلي إلى مسقط رأسي صفاقس ، وكان يطلب مني مشافهة ومكاتبة بأن أعلمه بكل فائدة لها صلة بالتاريخ التونسي أثناء مطالعاتي ، ولم أبخل عليه بتلبية مرغوبه ، وترجمت قليلا من الفرنسية عن أواخر الدولة الحفصية ، وخير الدين بربروس ، وأعرت له خلاصة ما اقتسبته من كنش تونسي في شذرات عن الأدب في العصر الحسيني ، هذا عدا ما كان يطلب مني مكاتبة من ترجمة فلان وعلان . وبعد صدور كتابه « المغرب العربي في سبعة قرون » ضنّ بإهداء نسخة إلي ، ولو كان الأمر مجر صداقة لا أعتب عليه في عدم الإهداء ، ولكن بعد إتعابي وإمدادي له بالكثير مما لا يعلم ، صعقت وذهلت ، وبعد انتظار نحو ثلاثة أشهر كاتبته معاتبا وعاذلا ، فاعتذ بأن الطبعة سيئة ( وهل لم يهد من هذه الطبعة شيئا وذكر أن الكتاب بصدد إعادة الطبع وكذب وما صدق وفاتني أن أذكر أني وضعت له فهرس المصادر والمراجع ، وقال لي بأنه خدمة جليلة للكتاب . وما سبق ذكره ليس تقولا لا أساس له بل عندي رسائل بخط يده تثبت كثيرا مما ذكرت . وكان موقفه الأخير معي باعثا على الامتعاض والمرارة ، فقطعت صلاتي به من زيارة ومراسلة نحو ثلاث سنوات قبل وفاته ، رحمه اللّه وغفر له ، ذكرت ما ذكرت خدمة للحقيقة والتاريخ . وكان من المنتجين بالإذاعة منذ تأسيسها ، ولم ينقطع عنها إلا في فترات وجيزة معينة ، ونشر في جريدة لسان الشعب لصاحبها السيد البشير الخنقي فصولا تبلع الأربعين بعنوان « سانحة » ، وذكر لي أن جريدة البلا المصرية تنشر مقتطفات وأحيانا تنشرها كاملة ، وهذا السوانح تتناول السياسة والاجتماع والقضايا الأدبية . ونشر كثيرا من الدراسات الأدبية في مجلة « المباحث » في سلسلتها الثانية الصادرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، نشر فيها دراسة عن المتنبي بعنوان « فتنة العصور » ، ودراسة عن الأدب الأندلسي ونشر في مجلة الفكر تراجم لكثير من أعلام التونسيين في مختلف العصور ممن كان لهم تأثير في الاتجاه الفكري والأدبي . وفي مجلة « الفكر » ساهم في المعركة التي دارت بين الدكتور إبراهيم السامرائي ( الذي كان أستاذا بكلية الآداب بالجامعة التونسية ) ، وعبد المجيد بن جدو ( من أسرة الإذاعة ) ، ونور الدين صمود ( أستاذ في العربية وشاعر ) ، عن شعر الشاذلي خزنه دار وقيمته . وكان من قلة ذوق ولياقة المترجم وابن جدو أن قالا ما معناه عن الدكتور السامرائي : « إنه أجنبي لا يفهمنا ، ولماذا يقحم نفسه في شؤوننا » أو نحو هذا ، وهذا محل تعجب ودهشة فإبراهيم السامرائي عربي من العراق القطر العربي ، وله اختصاصات لغوية ، وثقافة